منتــدى الشـــبابيــة


دردشة ليبية - برامج كاملة -بحوث -شعر -عالم المرأة - مسابقات -قصص وروايات
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 عقيل سعيد المعاهدات الدولية في الاسلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عبدو

avatar

عدد المساهمات : 537
نقاط : 15557
السٌّمعَة : 9
تاريخ التسجيل : 29/01/2010
العمر : 33

مُساهمةموضوع: عقيل سعيد المعاهدات الدولية في الاسلام   الثلاثاء يونيو 01, 2010 7:49 am

عقيل سعيد

المعاهدات الدولية في الاسلام

تمهيد

بخلاف التشريعات الوضعية، تعتبر القاعدة القانونية في ظل الشريعة الإسلامية جزءاً من القواعد الدينية التي تشكل بمجموعها التشريع الاسلامي الذي يتمتع بالصفة الالزامية الواجبة المراعاة لاحراز رضوان الله تبارك وتعالى والتجنب عن سخطه، استناداً إلى كون الإسلام نظاماً شاملاً للكون والإنسان والحياة في الدنيا وفي الاخرة، ويرتكز في وجود دولته إلى تطبيق الاحكام الالهية التي تنظم حياة الفرد والجماعات على مستويات العقيدة والاخلاق والسياسة والتشريع والادارة وممارسة السلطة والعلاقات المختلفة.
وباعتبار ان الإسلام عندما يؤسس دولته ذات الملامح الخاصة، والمبتنية على اساس احترام حدود الله سبحانه وتعالى، فانه ينشىء كياناً سياسياً وسط كيانات اخرى ناشئة أو تُنشأ. تقوم على اسس غير تلك التي يقوم عليها الاسلام، اي: ان دولاً اخرى تجاور الدولة الإسلامية أو تتشابك معها في المصالح أو تتقاطع، وتكون لها علاقات مؤثرة ومتأثرة، بالسلب أو بالايجاب، مع الكيان السياسي الاسلامي، الامر الذي يستدعي ان يكون لدولة الإسلام تصوراتها ومفاهيمها واحكامها لتنظيم هكذا علاقات ما كان الله سبحانه وتعالى ليغفل عن وضع الاحكام الخاصة بها، وان كان بمقدار رسم الخطوط العامة التي يمكن للعقل الاسلامي ان يجتهد في ضوئها لاستنباط ما يلائم الزمان وما ينسجم مع المحيطات المؤثرة ضمن الحدود الالهية المرسومة في اصول التشريع.
ان هذه الاحكام التي تنظم العلاقات في السلم والحرب بين الدولة الإسلامية والدول الاخرى، من الامور التي ينبغي للسلطة القائمة على رعاية شؤون المسلمين ان توليها الاهمية المناسبة بما يضم حياة دولة المسلمين واستقرارها واستمرارها، وبالتالي حياة وانتشار القيم التي تشتمل عليها رسالتهم السماوية التي يتوجب عليهم دينياً الدعوة اليها بمختلف الوسائل المتاحة، ليضعوا عن الناس اصرهم والاغلال التي كان عليهم، فيتحرروا من جميع العبوديات، ويرتبطوا بعبودية الباري عز وجل، تلك العبودية التي تخرجهم من الظلمات إلى النور.
غايات ومقاصد الدولة الاسلامية
تقوم الدولة الإسلامية في سياستها الخارجية ـ كما في سياستها الداخلية ايضاً ـ على اساس بلوغ غايات، وتحقيق مقاصد يضعها التشريع الاسلامي كأهداف يتحرك اليها المسلمون مدفوعين بالاخلاص لرسالة الله تعالى، يريدون أن يتمكنوا من نشر دينهم إلى جميع الناس من شعوب واقوام، وان يصدوا العدوان عن انفسهم وعن غيرهم من البشر(1).
ويلخّص الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر هذه الاهداف في ما يلي:
اولاً: حمل نور الإسلام ومشعل هذه الرسالة العظيمة إلى العالم كله.
ثانياً: الوقوف إلى جانب الحق والعدل في القضايا الدولية، وتقديم المثل الاعلى للاسلام من خلال ذلك.
ثالثاً: مساعدة كل المستضعفين والمعذبين في الارض ومقاومة الاستعمار والطغيان، وبخاصة في العالم الاسلامي..)(2).
وليس جديداً ان نؤكد ان دولة الإسلام لا تعتمد الاكراه في تبليغ رسالات الله (لا اكراه في الدين قد تبيّن الرشد من الغيّ)(3)، فما دام القتال ـ كصورة من صور العلاقات الخارجية بين المسلمين وغيرهم ـ من اجل دين الله، فانهم لا يكرهون احداً على اعتناقه. انهم لا يفعلون سوى انهم يمكنون الناس من التعرف عليه وفهمه واستنطاق دلائله البينة الواضحة، فاذا ما حيل بينهم وبين مهمتهم في تحرير الناس من العبوديات المتسلّطة عليهم والتي تسعى لمنع الناس عن الاتصال بالرسالة، فانهم يضطرون إلى صدّ عدوان هؤلاء، (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله)(4).
اصل التنظيم الدولي في الاسلام
جرت عادة فقهاء المسلمين على تقسيم العالم إلى قسمين: دار الحرب ودار الإسلام ويرى بعض فقهاء القانون الدولي العام(5) ان الإسلام ـ بناء على هذا التقسيم الثنائي ـ لا يعترف توزيع العالم إلى دول ذات سيادة ونظام قانوني مستقل، ويدلّلون على ذلك بان الاسام يدعو إلى توحيد النظام القانوني للبشر جميعاً في ظل احكام الشريعة الإسلامية بما تمتلك هذه الشريعة من نزعة انسانية عالمية، وبذلك فان قواعد القانون الدولي في الإسلام لا تقوم على اساس من الرضا المتبادل بين اعضاء الاسرة الدولية، وانما على اساس من تفسير المسلمين وفهمهم لمصالحهم السياسية والفكرية والدينية.
ونعتقد ان هذا الراي فيه شيء كثير من الاجحاف بحق الشريعة الالهية، وواقع الامر ان التقسيم الثنائي المذكور في الفقه الاسلامي لا يمثل سوى اجتهاد من علماء المسلمين في تقنين الحالة الدولية التي كانت سائدة، ولا يُعبر البتة عن حكم اسلامي أو قاعدة كلية عامة، فالاسلام وان كان انساني التوجه وعالمي النزعة، فان هذا مما يمكن فهمه على اساس الاتجاه العالمي الحديث النازع نحو العالمية والشمول وتجاوز حدود نظام الدولة الضيق، بسبب كثرة الصلات بين الشعوب وانتشار وسائل الاتصال الفكري والثقافي والحضاري، وبروز ظاهرة انفتاح الدولة على غيرها والتعاون فيما بينها(6).
____________________________________
1- الدكتور عبد المنعم ماجد ـ التاريخ السياسي للدولة العربية: 1/165 وما بعدها.
2- الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر ـ لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في ايران، ص 6. 1
3- البقرة: 256.
4- البقرة: 193.
5- الدكتور مجيد خضوري ـ السلام والحرب في الشريعة الإسلامية ص 43.
6- الدكتور عزيز شكري ـ المدخل إلى القانون الدولي ص 30 وما بعدها. الدكتور محمد حافظ غانم ـ المجتمعات الدولية الاقليمية ص 18.
وفي هذا الصدد يرى بعض كتاب القانون الدولي(1) ان الإسلام بعد انتشار دعوته وتبليغ رسالته للناس جميعاً «لا يمانع في الواقع من قيام امم ودول ذات انظمة قانونية مختلفة إذا لزمت الحياة تجاه دعوة الإسلام أو تعاهدت مع المسلمين على الود والسلم وعدم الاعتداء على ديار المسلمين أو حرمات شريعتهم أو دعاة الإسلام».
ونحن وان كنا نتحفظ على هذا الرأي، الا اننا نتفق معه فيما اكده من ان القرآن الكريم ـ الاصل الاول للتشريع الاسلامي ـ يعترف بوجود العالمين، ومن ذلك قوله تعالى: (تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)(2). ففي تصورنا ان هذا الاعتراف انما هو اعتراف نسبي يحدده الامر القائم أو السائد، بيد ان ذلك لا يعني عدم الممانعة، وشتان بين الامر الواقع وعدم الممانعة.
والحال ان هذا الامر يستدعي بحثاً عميقاً من لدن اصحاب الاختصاص في الاجتهاد الفقه الاسلامي من اجل بلورة تصور واضح في هذا الصدد مقارنة بظهور المفهوم الحديث للدولة في القانون الدولي، والذي اتضحت معالمه في اوربا خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر بزوال السلطة الكنسية وانهيار النظام الاقطاعي وتأسيس الدولة القومية (الاُمّة) وتمخّض الكيان السياسي المعروف اليوم بالدولة(3).
ان تأهيل النظام القانوني الدولي في الشريعة الإسلامية يمكن ان يجد في القرآن الكريم ما يرسم الخطوط العريضة والمبادىء العامة لتنظيم العلاقة مع الدول المعاصرة ـ مجاورة وغير مجاورة ـ للدولة الإسلامية. (يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود)(4)، (واوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً ان الله يعلم ما تفعلون)(5)، (وكان عهد الله مسؤولاً)(6)، (واوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولاً)(7)، فالعهود (المعاهدات) هي التي تحكم ما يقوم من علاقات بين دولة المسلمين والدول الاخرى، ونميل إلى الرأي القائل ـ في هذا السياق ـ بان الاصل في العلاقات الدولية في الإسلام هو حالة السلم المبنى على احكام واضحة تحدّد الحقوق والالتزامات لكل طرف من الاطراف الدولية، اما حالة الحرب فانها الحالة الاستثنائية التي يضطر اليها طبقاً للظروف المحيطة(Cool. ولذلك فاننا نؤكد مجدداً ان التقسيم الثنائي للعالم ليس سوى اجتهاد فقهي تأصل بفعل تأثير الاوضاع التي كانت قائمة ايام سيادة الدولة الإسلامية الاولى بعد الهجرة المباركة وما تلاها من عهود الفتوحات الإسلامية، وبذلك التأثير انسحب فهمه على مدى مراحل وعصور الفقه الاسلامي وتطوراته، والى يومنا هذا.
اما هذا التلازم الحاصل بين مفهومي دار الإسلام والدولة الإسلامية فانه من التحميل الفقهي لمفهوم على آخر، فدار الإسلام تمثل العنصر المادي (الاقليم أو الارض) ضمن عناصر اخرى تشكل بمجموعها الدولة الإسلامية ذات السيادة والشخصية المعنوية التي تفترض وجود اهلية لهذا الشخص الاعتباري وذمة مالية مستقلة عن ذمم الافراد
____________________________________
1- الدكتور وهبة الزحيلي، العلاقات الدولية في الإسلام ص 18 وما بعدها.
2- الفرقان: 1.
3- الدكتور الزحيلي ـ بحث الدولة الإسلامية في الموسوعة الفقهية الكويتية ص 9.
4- المائدة: 1.
5- النحل: 91.
6- الاحزاب: 33.
7- الاسراء: 34.
8- الدكتور الزحيلي، العلاقات الدولية ص 116.
المكونين له من حكام أو محكومين(1).
الدار الثالثة (دار العهد)
عرفنا ان للفقه الاسلامي تقسيماً ثنائياً للعلم: دار الحرب ودار السلام، وقد فصّل فيهما فقهاء المسلمين، واوضحوا ان دار الإسلام هي ما كان من البلاد تسوده شعائر الإسلام واحكامه ويأمن فيه المسلمون (والذميون المعاهدون بطبيعة الحال)، واما دار الحرب فهي ما لا يطبق فيه احكام الإسلام من البلاد لخروجها عن نطاق السيادة الإسلامية ويشير قسم من الفقهاء ـ وفي مقدمتهم الامام الشافعي(2) ان العالم بحسب الاصل دار واحدة هي دار الإسلام ونجد انفسنا مضطرين إلى التدرج مع هذا التقسيم رغم عدم قناعتنا به وبالتصور الذي يستند إليه وذلك ان مصادر الفقه الاسلامي لا تجد عن هذا التقسيم الذي تجدّد إلى اهل الاجتهاد الدعوة لاعادة النظر فيه بعيداً عن المؤثرات الظرفية المنسحبة.
يضيف الفقه الاسلامي(3) داراً ثالثة بعد ان يبيّن ان دار الحرب هي بلاد غير المسلمين الذين لا صلح بيننا وبينهم، وهذه الدار الثالثة هي البلاد التي لم يظهر عليها المسلمون وعقد اهلها الصلح معهم على ما يؤدونه من ارضهم كخراج، ولا تؤخذ منهم الجزية لانهم في غير دار الإسلام، ولا قتال معهم لخروجهم من دار الحرب(4).
ان هذه البلاد لم تدخل تحت سيادة المسلمين، فلا تطبق فيها شريعة الإسلام، ولكنها دخلت في عهد المسلمين على شروط وقواعد معينة، وفي الوقت ذاته فان شريعتها واحكامها ونظامها القانوني الخاص هو السائد والمطبق لديها.
ويرى بعض فقهاء القانون الدولي(5) انها شبيهة بالدول التي لم تتمتع بكامل استقلالها لوجود معاهدة معقودة. ولكننا لا نوافق الرأي، وانما نرى ان هذه الدول كاملة السيادة والاستقلال، وغاية ما في الامر ان معاهدة ذات طرفين (أو اطراف متعددة) تحكم علاقتها بالدولة الإسلامية التي تمثل الطرف الآخر في المعاهدة. ودليلنا في ذلك اهل النوبة واهل ارمينية الذين لم تؤخذ منهم جزية ولا خراج واقرت الدولة الإسلامية لهم بالسيادة وكانت هناك مبادلات تجارية بينهم وبين المسلمين(6).
اننا نؤيد ـ إلى حدّ ما ـ ما ذهب إليه بعض كتاب القانون الدولي(7) من ان اصطلاح دار العهد يصلح ان يكون اساساً لتنظيم العلاقات الدولية الحاضرة بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول، للتوصل إلى تأمين المصالح وحل القضايا السياسية. ويمكن ـ برأينا ـ من خلال ذلك حلّ الاشكال القائم على انتساب الدولة الإسلامية إلى الاسرة الدولية كأحد اعضاءها والتزامها بميثاق الامم المتحدة والمعاهدات الدولية السائدة، ومن دون اخلال بالوضع القانوني للنظام الاسلامي وتشريعه.
____________________________________
1- الدكتور الزحيلي ـ المصدر السابق ص 22 وبحث الدولة الإسلامية ص 9.
2- تأسيس النظر للدبوسي ص 58 نقلاً عن الزحيلي ـ العلاقات الدولية ص 112.
3- من الضروري التفرقة بين الفقه والشريعة. فالفقه هو فهم الفقهاء للشريعة، وهو ما يعرف بالاجتهاد ضمن الاصول والقواعد المحددة.
4- الام 4/103 وما بعدها ـ الماوردي ـ الاحكام السلطانية ص 133.
5- الدكتور نجيب الارمناني ـ الشرع الدولي في الإسلام ص 50.
6- المصدر السابق ـ نفس الصفحة.
7- د. الزحيلي ـ العلاقات الدولية ص 108.
مناطق اختلاف الديار في الفقه الاسلامي
مما اتضح لدين ان التقسيم الفقهي.... لم يرد به نص من قرآن أو سنة ولو شكف عنه اجماع، كما ان العقل لا يقرره... في الوقت الذي قد يكون فيه ايضاً لا يمنع منه.
وربما يكون للفكر الروماني تأثير في هذا التقسيم (مع الفارق)، فقد كان القانون الروماني يقسم الناس إلى وطنيين واجانب، والاخيرون في الاصل اعداء، وهم سكان البلاد المجاورة لهم، والتي تقع على الضفة الاخرى للنهر، وما لم يرتبط هؤلاء الاجانب بروما بمعاهدة أو حلف فقد كان للرومان ان يستولوا عليهم كما يستولون على اي مال مباح(1). وبهذا نستطيع ان نفهم ان القانون الروماني كان يقسم العالم إلى ديار ثلاث: دار الوطنيين ودار الاعداء (الاجانب) ودار المعاهدين والمحالفين.
وكذلك، فان الاغريق كانوا ينظرون إلى غير اليونانيين (ويسمونهم البرابرة) نظرتهم إلى الاعداء الذي خلقوا ليكونوا خدماً وعبيداً لهم، فلم يكـن للاجنبي عندهم اي مركز قانوني، فدمه مهدور وامواله مستباحـة(2).
ان فقهاء المسلمين لم يكن مرادهم بهذا التقسيم اهدار المركز القانوني لغير المسلمين، وانما المناط لديهم في تقسيم الديار هو توافر صفة الامن والسلام للمسلمين وتمكنهم من تطبيق احكام دينهم واقامة شعائره. وقد تتعدد حكومات دار الإسلام كما تشمل دار الحرب كل البلاد المعادية للاسلام مع اختلاف الدول التي تحكمها(3) فيما تمثل دار العهد كل الدول غير الإسلامية التي ترتبط بمعاهدة مع دولة الإسلام ان ما يفرق بين دار الحرب ودار العهد هو توفر الامن للمسلمين وحريتهم في اداء شعائرهم وتطبيق احكامهم (وكذلك الامر فيما يتعلق بالذميين من رعايا الدولة الإسلامية عندما يعمرون تلك البلاد).
ان اختلاف الدين ليس هو الاساس في بناء العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية، فالمناط في العصمة وانقطاعها (الامن أو الفزع)(4)، ودار الحرب ليست سوى تلك البلاد التي هي في غير حالة سلم مع الدولة الاسلامية(5)، فاذا انعقد الصلح واستتب السلم انتفت الصفة الحربية.
السيادة القانونية
لعل من المهم ان نتطرق إلى مفهم السيادة في الاصطلاح القانوني، فبدون وضوح هذا المفهوم لا يمكن ادراك جدول قيام علاقات بين الدول، وانما تقوم الحروب أو يعم السلم بين الدول انطلاقاً من هذا المفهوم، فيما دامت سيادات الدول محفوظة يعم السلم، اما إذا كان هناك خرق للسيادة فان الدولة ـ اية دولة ـ تأبى ان تثلم سيادتها، وبذلك تقع الحروب.
والسيادة فكرة قانونية حديثة ظهرت في القرن السادس عشر، تمثل الامتيازات التي يمتلكها النظام السياسي للدولة بحيث تنفرد الفئة الحاكمة بكونها سلطة عليا آمرة تستطيع تمكين ارادتها في الواقع. ان السيادة تعتبر المميّز الاساسي للدولة عن غيرها من الجماعات، هي داخلية وخارجية، ففي الداخل تمارس الفئة الحاكمة امتيازاتها على
____________________________________
1- الدكتور عبدالمنعم البدراوي ـ القانون الروماني ص 198.
2- الدكتور حامد سلطان ـ القانون الدولي ص 369.
3- الاستاذ الشهيد عبدالقادر عودة ـ التشريع الجنائي الاسلامي: 1/291.
4- د. الزحيلي ـ العلاقات الدولية ص 116.
5- عبدالوهاب خلاف ـ السياسة الشرعية ص 76.
رعاياها، وفي جانبها الخارجي تعني ما يعبر عنه بالاستقلال المقتضي عدم خضوع الدولة صاحبة السيادة الخارجية لغيرها من الدول، وبالتالي فهي مالكة الارادة والاختيار في رسم حدود علاقاتها بالدولة الاخرى.
وتتجلى السيادة الخارجية للدولة الإسلامية من خلال العنصرين التاليين:
1 ـ الاستقلال: فالدولة الإسلامية مستقلة في ارادتها واختياراتها عن الدول الاخرى، وتنطلق في علاقاتها طبقاً لاحكام الشرع الاسلامي، واي تدخل في شؤونها الداخلية يعد انتهاكا لسيادتها الخارجية، وفيما يتعلق برعاياها فهي وحدها صاحبة الحق والقدرة في تنظيم علاقاتها وواجباتها والتزاماتهم بمقتضى احكام قانونها الداخلي.
ومنشأ السيادة في الإسلام من كون الحاكمية لله سبحانه وتعالى (ان الحكم إلاّ لله)(1)، فالله تعالى هو مصدر السلطات جميعاً(2)، ولكن السيادة لا تمارس بالإكراه من قبل الحاكمين الا ببيعة تعقدها الاُمة، ولذلك فان الرسول محمداً(ص) قد اخذ البيعة مرات متعددة من المسلمين رغم انّه رسول من الله تبارك وتعالى، كما ان الامام علياً(ع) رغم النص الواضح في حديث الغدير وغيره على استخلافه، ورغم مطالبته بحقه في الخلافة وممارسة الحكم والسلطة بعد ان بويع الخليفة الاول ابو بكر بن ابي قحافة الا انّه لم يقبل استلام السلطة بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان الا بعد ان اشترط البيعة العامة من الاُمّة ان السلطة ـ تشريعية وتنفيذية ـ مسندة في ممارستها الا الاُمّة التي هي صاحبة الحق في ممارسة هاتين
السلطتين طبقاً لمبدأ الاستخلاف الإلهي للبشر(3).
وفي القانون الحديث يراد للسيادة عادة ان تربط بالامة باعتبارها صاحبة السيادة، وهذا المفهوم الحديث يعود في وجوده إلى المذهب الفرنسي ابان تطورات القانون الدستوري الغربي الكلاسيكي، وقد وضح هذا المبدأ القانوني الحديث بصورة رئسية على يد المفكر الفرنسي جان جاك روسو في كتابه (العقد الاجتماعي) اواخر القرن الثامن عشر، وتبنته ثورة عام 1789 ثم تبنته الدساتير الثورية الاخرى كدستور عام 1791 ودستور عام 1793 ودستور السنة الثالثة ودستور السنة الثامنة، ونصت عليه صراحة أو اشارات إليه بالضمن دساتير القرن التاسع عشر باستثناء شرعة عام 1814، ثم تم التأكيد عليه مجدداً في دستوري عامي 1946 و1958(4). وكانت الثورة الفرنسية في الاساس قد قنّنت بدأ السيادة للامة في اعلان حقوق الإنسان الصادر عام 1789 ـ على تفصيل لسنا بصدده(5).
وقد نشأ هذا المبدأ القانوني (مفهوم سيادة الاُمّة) كردّ على السيادة الملكية التي كان فيها يستمد الملك سلطاته المطلقة من الله من دون مسائلة، وهو ما يعبر عنه بان «الملك مصون غير مسؤول». وهو الامر الذي يرفضه الإسلام ايضاً مثلما يرفض ان تكون السيادة للامة من دون الله تعالى(6).
وكنتيجة لمفهوم السيادة القانونية للدولة ـ داخلياً وخارجياً، فان السيادة غير قابلة للتجزأة ولا يمكن التصرف بها أو التخلي عنها. كما ان الدولة ليس لها ان تمس بدون مسوغ شرعي سيادة غيرها من الدول، وعلى ذلك فان
____________________________________
1- يوسف: 40، 67.
2- الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر ـ لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في ايران ص: 12
3- المصدر السابق ص 13.
4- اندريه هوربو ـ القانون الدستوري والمؤسسات السياسية: 1/314.
5- للتوسع: روبيرو بيلّو ـ المواطن والدولة ص 20 وما بعدها.
6- الامام الشهيد السيد محمد باقر الصدر ـ لمحة فقهية تمهيدية عن مشروع دستور الجمهورية الإسلامية في ايران ص 18.
الدولة الإسلامية تحترم سيادة الدول الاخرى ولا تنازعها السيادة إلاّ صدأ للعدوان وحفظاً للدعوة الإسلامية ويمكننا تلمس ذلك في الايات الكريمة التي نزلت في تشريع الجهاد: (اذن للذين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير. الذين اخرجوا من ديارهم بغير حق الا ان يقولوا ربنا لله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً ولينصرن الله من ينصره ان الله لقوي عزيز. الذين ان مكناهم في الارض اقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور)(1).
ان سيادة الدولة الإسلامية لا ترتبط بشخص الحاكم، بل بصفته كممثل للدولة، ولذلك فان غيابه عن الساحة السياسية بسبب من الاسباب من موت أو استقالة أو اقالة أو خلع أو انتهاء مدة أو غيرها، هذا الغياب لا يؤثر على التصرفات التي اجراها أو اجازها، ومنها الالتزامات المترتبة على المعاهدات المعقودة مع الدول الاخرى.
2 ـ العزة: ان مقتضى الاستقلال والسيادة المقررين للدولة الإسلامية ان تكون مالكة للعزة والمنعة والقدرة، فما دام انّه (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً)(2) فان دولة المؤمنين الاعزاء (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين)(3)، (اعزة على الكافرين)(4) دولة عزيزة منيعة قادرة متمكنة.
وتتطلب عزة الدولة الإسلامية ان يتأهب المسلمون لما قد يطرأ على دولتهم ومجتمعهم من عدوان (واعدوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم)(5).
ومن هنا تأتي حكمة تشريع الجهاد في الاسلام، فالاعداد للقوة والتأهب والاستعداد لا يهدف الاعتداء على الدول الاخرى وثلم سيادتها، وانما هو ذو طابع دفاعي هدفه حماية بيضة الإسلام ودولته ودعوته وافراده، ولتأمين وصول الدعوة الالهية إلى كل بني البشر.
وقد احترمت الدولة الإسلامية عبر مراحلها التاريخية المختلفة سيادة الدول الاخرى انسجاماً مع هذا الفهم، فلم تشن حرباً هجومية على الدول المسيحية ـ مثلاً ـ كما فعلت الاخيرة ابان الحروب الصليبية، كما انهم لم تقر المبدأ المعروف بمبدأ (توازن القوى) الذي تأسست عليه علاقات الدول الاوربية بعضها ببعض بعد الانفصال عندما كان يسمى رابطة الامبراطورية الرمانية الجرمانية المقدسة)، وحتى عصرنا الحالي.
وبالاضافة إلى ذلك فان الدولة الإسلامية لم تدخل حرباً في اى من اداوارها بقصد الاستعمار واستغلال الشعوب والتعامل بالتمييز الطائفي والعنصري(6).
ان اهداف الجهاد الاسلامي تتلخص في حفظ الاستقلال وتحقيق العزة بما يضمن السيادة الكاملة اعلاءً لكلمة الله تعالى وذباً عن الملة ـ كما يعبر فقهاء المسلمين(7). ولم يكن هدف الجهاد في يوم ما غرضاً دنيوياً يبتغي السيطرة على مصادر الثروة أو تأمين الاسواق أو توسعة السلطان كما هو شأن الحروب الاستعمارية
____________________________________
1- الحج: 38 ـ 41.
2- النساء: 141.
3- المنافقون: 8.
4- المائدة: 54.
5- الانفال: 60.
6- د. الزحيلي ـ العلاقات الدولية ص 126 وما بعدها.
7- الاحكام السلطانية ص 41.
(يا ايها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن القى اليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة)(1) وما يتحقق من غنائم حربية فان الاحكام الإسلامية لا تغفله بوصفه من الامور التابعة للغرض والمقصود الاساسي من القتال، ولذلك فان امر الغنائم لم يترك دون تنظيم قانوني دقيق يضمن عدم الاعتداء، ويحقق لدى المؤمنين المجاهدين روحاً عالية من الانضباط ورعاية النية الخالصة في القرية إلى الله تعالى.
ان الغاية السامية للجهاد في الإسلام تحددها الايات الكريمة التي مرّ ذكرها في تشريع فريضة الجهاد التي يعتبرها الإسلام من اعظم شعائر الله(2).
لقد كان المسلمون يعمرون البلاد التي يحررونها، لانهم يهدفون إلى غايات مثلى تسمو على الخراج والجزية والغنائم وتحصيل المنافع الدنيوية التي هي متاع قليل وزخرف زائل. وفي هذا الصدد يوصي الامام علي(ع) في عهده التاريخي إلى عامله مالك الاشتر(رض) عندما ولاه على مصر: «وليكن نظرك في عمارة الارض ابلغ من نظرك في استجلاب الخراج، لان ذلك لا يدرك الا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة اخرب البلاد واهلك العباد ولم يستقم امره الا قليلاً»(3).
موقع المعاهدات الدولية في القانون الدولي والاسلام
اوضحت المادة الثامنة والثلاثون من النظام الاساسي لمحكمة العدل الدولية المصادر الاصلية للقانون الدولي العام، فاعتبرت المعاهدات أو تلك المصادر باعتبارها اتفاقات دولية تقرر قواعد تعترف بها الدول المتنازعة صراحة. وقد الحقت لائحة محكمة العدل الدولية بميثاق الامم المتحدة، والتزمت بها جميع الدول الموقعة على الميثاق(4).
ولا يختلف الامر بالنسبة للشريعة الإسلامية، فالمعاهدات المعقودة بين المسلمين وغيرهم تعتبر مصدراً من مصادر العلاقات الدولية في الإسلام، مضافاً إلى ان معاهدات الرسول(ص) بخاصة(5) تعتبر من السنة المطهرة التي هي اصل ثابت من اصول التشريع بعد القرآن الكريم.
اما القرآن الكريم والسنة الشريفة فانهما يحددان مشروعية المعاهدات مع الاعداء فضلاً عن غير الاعداء (المحايدين) في حالة السلم والحرب. ومن ذلك:
(الا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق)(6).
(وان استنصروكم في الدين فعليكم النصر الا على قوم بينكم وبينهم ميثاق)(7).
(الا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم احداً)(Cool.
(الا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام فما استقاموا لكم فاستيقموا)(9).
____________________________________
1- النساء: 94.
2- الايات 38 ـ 41 من سورة الحج.
3- نهج البلاغة ـ شرح محمد عبده: 3/96.
4- الدكتور محمد حافظ غانم ـ مبادىء القانون الدولي العام ص 102.
5- وكذلك المعصوم «ع» في فقه الامامية.
6- النساء: 90.
7- الانفال: 72.
8- التوبة: 4.
9- التوبة: 7.
(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا اليهم إن الله يحب المقسطين)(1).
وروى ابو داود عن رسول الله(ص) انّه قال: «لعلكم تقاتلون قوماً، فتظهرون عليهم، فيثقونكم باموالهم دون انفسهم وذراريهم، فيصالحونكم على صلح، فلا تصيبوا منهم فوق ذلك، فانه لا يصلح لكم»(2).
وروى الامام زيد عنه(ص) انّه قال: «ايما رجل من اقصاكم أو ادناكم، من احراركم أو عبيدكم، اعطى رجلاً منهم اماناً، أو اشار إليه بيده، فأقبل باشارته، فله الامان حتى يسمع كلام الله، فان قبل فاخوكم في الدين، وان ابى فردوه إلى مأمنه واستعينوا بالله»(3).
وقال الامام علي(ع) في كتابه لمالك الاشتر النخعي(رض): «ولا تدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك ولله فيه رضا، فان في الصلح دعة لجنودك وراحة من همومك وامناً لبلادك، ولكن الحذر كل الحذر من عدوك بعد صلحه، فان العدو ربما قارب ليتغفل فخذ بالحزم واتهم في ذلك حسن الظن، ان عقده بينك وبين عدوك عقدة أو البست منك ذمة فحُط عهدك بالوفاء وارع ذمتك بالامانة واجعل نفسك جُنة دون ما اعطيت، فان ليس من فرائض الله شيء الناس اشدّ عليه اجتماعاً مع تفرّق اهوائهم وتشتت ارائهم من تعظيم الوفاء بالعهود، وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب القدر، فلا تقدرون بذمتك ولا تخيسنَّ بعهدك ولا تختلنّ عدوك، فانه لا يجتري على الله الا جاهل شقي، وقد جعل الله عهده وذمته امناً افضاه بين العباد برحمته وحريماً يسكنون إلى منعته ويستفيضون إلى جواره، فلا ادغال ولا مدالسة ولا خادع فيه، ولا تعقد عقداً تجوز فيه العلل، ولا تعولنّ على لحق قول بعد التأكيد والتوثقة، ولا يدعونك ضيق امر لزمك فيه عهد الله إلى طلب انفساخه بغير الحق، فان صبرك على ضيق امر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخالف تبعته ان تحيط بك من الله فيه طلبة فلا تستقبل فيها دنياك ولا آخرتك»(4).
شروط المعاهدة
تنعقد المعاهدة باتفاق الارادات الحرة المختارة لاطرافها طبقاً لشروط معينة، وهذه الشروط هي:
اولاً: اهلية التعاقد
ان اهلية عقد العهد فى الشريعة الإسلامية ليست حصراً على الحاكم في الدولة الإسلامية فقد يتولى العقد فرد من رعايا الدولة (على ان يكون مسلماً) تتوفرفيه شروط التعاقد من بلوغ ورشد وما إلى ذلك مما تتطلبه اهلية التعاقد، كما في الامان الذي هو عقد يفيد ترك القتال مع الحربي أو رفع استباحة دمه أو ماله أو حريته حين القتال. اما في الامور المنطوية على اهمية وخطورة اكبر فيشترط فيمن يوقع العقد ان يكون شخصاً على قدر من المسؤولية كما في ابرام الصلح مع العدو، والذي هو عقد يوقعه حاكم الدولة الإسلامية أو من يفوضه، وكذلك الموادعة والمسالمة والمعاهدة، حيث يشترط في العاقد من طرف الدولة الإسلامية ان يكون الامام أو نائبه، ونفس الحكم يترتب على عقد الذمة.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
عقيل سعيد المعاهدات الدولية في الاسلام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتــدى الشـــبابيــة :: منتديات العلم والتعليم والتعلم :: مكتبة البحوث :: المكتبة العلمية-
انتقل الى: